الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

209

تفسير روح البيان

من أن يسبح ويقدس ويصلى له فيها وَسَعى اى عمل فِي خَرابِها بالهدم والخراب اسم للتخريب كالسلام اسم للتسليم وأصله الثلم والتفريق أُولئِكَ المانعون ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ اى ما كان ينبغي لهم ان يدخلوها الا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ اى خزى فظيع لا يوصف كالقتل والسبي في حق أهل الحرب والاذلال بضرب الجزية في حق أهل الذمة أو هو فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو عذاب النار الذي لا ينقطع لما ان سببه أيضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك في العظم وقيل نزلت الآية في مشركي العرب الذين منعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الدعاء إلى اللّه تعالى بمكة والجأوه إلى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له عليه السلام ولأصحابه ان يذكروا اللّه في المسجد الحرام وأيضا انهم صدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب اليه من المدينة عام الحديبية وهي السنة السادسة من الهجرة والحديبية موضع على طريق مكة فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه المسجد الحرام فالمراد بالخراب في قوله وسعى في خرابها تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة دون تخريبه وهدمه حقيقة وجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبا له لان المقصود من بنائه انما هو الذكر والعبادة فيه فمادام لم يترتب عليه هذا المقصود من بنائه صار كأنه هدم وخرب أو لم يبن من أصله فان عمارة المسجد كما تكون ببنائه وإصلاحه تكون أيضا بحضوره ولزومه يقال فلان يعمر مسجد فلان إذا كان يحضره ويلزمه ويقال لسكان السماوات من الملائكة عمارها قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان ) وذلك لقوله تعالى إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فجعل حضور المساجد عمارة لها * قال على رضي اللّه عنه ست من المروءة ثلاث في الحضر وثلاث في السفر * فاما اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب اللّه تعالى وعمارة مسجد اللّه واتخاذ الاخوان في اللّه * واما اللاتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي اللّه * وعد من علامات الساعة تطويل المنارات وتنقيش المساجد وتزيينها وتخريبها عن ذكر اللّه تعالى فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة واظهار شعائر الإسلام أقبح سيئة لا سيما إذا اقترن بفتح أبواب بيوت الخمر وإغلاق أبواب المكاتب وغير ذلك ولقد شوهد هذا في أكثر البلاد الرومية في هذا الزمان فلنبك على غربة الدين أيها الاخوان * قال القشيري رحمه اللّه ومن اظلم ممن حرب بالشهوات أوطان العبادات وهي نفوس العابدين وخرب بالمنى والعلاقات أوطان المعرفة وهي قلوب العارفين وخرب بالحظوظ والمساكنات أوطان المحبة وهي أرواح الواجدين وخرب بالتفات إلى القربات أوطان المشاهدات وهي أوطان الموحدين * ثم في الآية إشارة إلى شرف بيت المقدس والمسجد الحرام وفي الحديث ( من زار بيت المقدس محتسبا أعطاه اللّه ثواب الف شهيد وحرم اللّه جسده على النار ومن زار عالما فكأنما زار بيت المقدس ) كذا في مشكاة الأنوار * وذكر في القنية ان أعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فإنها أخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها